عبد القاهر الجرجاني
130
دلائل الإعجاز في علم المعاني
للجنسية ، إذ ليس ثمّ إلا انطلاق واحد قد عرف المخاطب أنه كان ، واحتاج أن يعيّن له الذي كان منه وينصّ له عليه . فإن قلت : " زيد المنطلق في حاجتك " ، تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك ، عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدّها في " أنت الحبيب " . وهاهنا أصل يجب أن تحكمه : وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلّها إذا وصفت ، أن تتنوّع بالصّفة ، فيصير " الرّجل " الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت : " رجل ظريف " ، و " رجل طويل " ، و " رجل قصير " ، " رجل شاعر " ، و " رجل كاتب " ، أنواعا مختلفة يعدّ كل نوع منها شيئا على حدة ، وتستأنف في اسم " الرجل " بكل صفة تقرنها إليه جنسية . وهكذا القول في " المصادر " ، تقول : " العلم " و " الجهل " و " الضّرب " و " القتل " و " السّير " و " القيام " و " القعود " ، فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار . فإذا وصفت فقلت : " علم كذا " و " علم كذا " كقولك : " علم ضروريّ " و " علم مكتسب " ، و " علم جليّ " و " علم خفيّ " و " ضرب شديد " و " ضرب خفيف " و " سير سريع " و " سير بطيء " وما شاكل ذلك ، انقسم الجنس منها أقساما ، وصار أنواعا ، وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلّف تفرّقه فرقا وتشعّبه شعبا . وهذا مذهب معروف عندهم ، وأصل متعارف في كل جيل وأمّة . ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرّع على هذا الأصل أو كالنّظير له ، وهو أنّ من شأن " المصدر " أن يفرّق بالصّلات كما يفرق بالصّفات . ومعنى هذا الكلام أنك تقول " الضرب " ، فتراه جنسا واحدا ، فإذا قلت : " الضّرب بالسيف " ، صار بتعديتك له إلى السيف ، نوعا مخصوصا . ألا تراك تقول : " الضّرب بالسيف غير الضّرب بالعصا " ، تريد أنهما نوعان مختلفان ، وأنّ اجتماعهما في اسم " الضرب " لا يوجب اتفاقهما ، لأنّ الصلة قد فصلت بينهما وفرّقتهما . ومن المثال البيّن في ذلك قول المتنبي : [ من الكامل ] وتوهّموا اللّعب الوغى ، والطّعن في ال * هيجاء غير الطّعن في الميدان " 1 "
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 2 / 172 ) من قصيدة في مدح سيف الدولة ، ومدحه إياها بآمد ، وكان منصرفا من بلاد الروم ، وذلك في شهر صفر سنة خمس وأربعين وثلاث مائة ( 156 م ) ، وقبله : وسعى فقصر عن مداه في العلى * أهل الزمان وأهل كل زمان اتخذوا المجالس في البيوت وعنده * أن السروج مجلس الفتيان الوغى : الهيجاء من أسماء الحرب أي : إذا لعبوا فيما بينهم بالطعان اعتقدوا أن ذلك هو الحرب ولكن أين هول الحرب من متعة اللعب .